محمود أبو رية

213

شيخ المضيرة أبو هريرة

فهل يمكن أن ينسى من سننه ما حفظه أبو هريرة ! أو يكتم منها ما بينه أبو هريرة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! على أنه لم يكن من المهاجرين من يصفق في الأسوق إلا القليل ، وحسبك أبو ذر والمقداد وعمار - ورفقاء أبي هريرة في الصفة وهم سبعون - كانوا كما وصفهم أبو هريرة - ما منهم رجل عليه رداء . وإنما عليه إما إزار أو كساء قد ربطوه في أعناقهم ، إلى آخر كلامه في وصفهم ( 1 ) فما بالهم لم يحدثوا بمثل أحاديثه ؟ ولم يكثروا كما أكثر . وكذا الأنصار لم يكونوا بأجمعهم من أهل الأموال والأشغال كما زعم ، وحسبك ممن لا مال لهم منهم سلمان الفارسي الذي قال رسول الله فيه : سلمان منا أهل البيت . وقال : كما في ترجمة سلمان من الاستيعاب : لو كان الدين عند الثريا لناله سلمان ( 2 ) . وقالت عائشة : كان لسلمان مجلس من رسول الله ينفرد به في الليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ، وقال على : إن سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم ، علم علم الأول والآخر ، بحر علم لا ينزف ( 3 ) . وقد علم الناس أن أبا أيوب الأنصاري لم يكن له من العيش إلا بلغة لا تشغله عن علم ولا عمل ، وكذلك أبو سعيد الخدري ، وأبو فضالة الأنصاري ، وغيرهم من نظرائهم من علماء الأنصار وعظمائهم رضي الله عنهم . على أن سيد الحكماء وخاتم الأنبياء لم تكن أوقاته فوضى ، وإنما كانت في الليل والنهار مرتبة للمهمات ، على ما تقتضيه الحكمة في تلك الأوقات ، وقد خصص منها لالقاء العلم وقتا لا يعارض أوقات الصفق في الأسواق ، ولا أوقات العمل في الأموال ، وكان المهاجرون والأنصار لا يغيبون في ذلك الوقت أبدا وهم أحرص على العلم مما يخرفه المخرفون .

--> ( 1 ) سقنا كلامه هذا آنفا . ( 2 ) لسلمان في مسند بقي ستون حديثا في البخاري أربعة وفى مسلم 3 ص 362 ج 1 سير أعلام النبلاء . توفى بالمدائن سنة 36 ه‍ . ( 3 ) انظر ترجمة سلمان الفارسي في الاستيعاب لحافظ المغرب ابن عبد البر ص 572 ج 2 .